لسان الدين ابن الخطيب
269
الإحاطة في أخبار غرناطة
محمد بن مسعود بن خالصة بن فرج بن مجاهد ابن أبي الخصال الغافقي « 1 » الإمام البليغ ، المحدّث الحجّة ، يكنى أبا عبد اللّه . أصله من فرغليط من شقورة ، من كورة جيّان ، وسكن قرطبة وغرناطة . حاله : قال ابن الزّبير عند ذكره : ذو الوزارتين ، أبو عبد اللّه بن أبي الخصال . كان من أهل المعارف الجمّة ، والإتقان لصناعة الحديث ، والمعرفة برجاله ، والتقييد لغريبه ، وإتقان ضبطه ، والمعرفة بالعربية واللغة والأدب ، والنّسب والتاريخ ، متقدما في ذلك كله . وأما الكتابة والنظم ، فهو إمامهما المتفق عليه ، والمتحاكم فيهما إليه . ولما ذكره أبو القاسم الملّاحي بنحو ذلك قال : لم يكن في عصره مثله ، مع دين وفضل وورع . قال أبو عمرو ابن الإمام الإستجّي في سمط الجمان ، لما ذكره : البحر الذي لا يماتح ولا يشاطر ، والغيث الذي لا يساجل ولا يقاطر ، والروض الذي لا يفاوح ولا يعاطر ، والطّود الذي لا يزاحم ولا يخاطر ، الذي جمع أشتات المحاسن ، على ماء غير ملح ولا آسن ؛ وكثرت فواضله ، فأمنت المماثل والمحاسن ، الذي قصرت البلاغة على محتده ، وألقيت أزمة الفصاحة في يده ، وتشرّفت الخطابة والكتابة باعتزائهما إليه ، فنثل كنانتها ، وأرسل كمائنها ، وأوضح أسرارها ودفائنها ، فحسب الماهر النّحرير ، والجهبذ العلّامة البصير إذا أبدع في كلامه ، وأينع في روض الإجادة نثاره ونظامه ، وطالت قنى الخطيّة الذبل أقلامه ، أن يستنير بأنواره ، ويقتضي بعض مناهجه وآثاره ، وينثر على أثوابه مسك غباره ، وليعلم كيف يتفاضل الخبر والإنشاء ، ويتلو إنّ الفضل بيد اللّه يؤتيه من يشاء . وعضّه العقور أبو نصر في قلائده ، حيث قال « 2 » : « هو وإن كان خامل المنشأ نازله ، لم ينزله المجد منازله ، ولا فرّع للعلاء هضابا ، ولا ارتشف للسّنا رضابا ، فقد تميّز بنفسه ، وتحيّز من أبناء « 3 » جنسه ، وظهر بذاته ، وفخر بأدواته » .
--> ( 1 ) يكنى ابن أبي الخصال أبا عبد اللّه ، وترجمته في المعجب ( ص 237 ، 240 ) والذخيرة ( ق 3 ص 786 ) وقلائد العقيان ( ص 174 ) والمطرب ( ص 187 ) وبغية الملتمس ( ص 131 ) والصلة ( ص 854 ) ورايات المبرزين ( ص 188 ) والمعجم في أصحاب القاضي الصدفي ( ص 152 ) والمغرب ( ج 2 ص 66 ) والمقتطف من أزاهر الطرف ( ص 87 ، 89 ) وبغية الوعاة ( ص 104 ) . ( 2 ) قلائد العقيان ( ص 174 ) . ( 3 ) كلمة « أبناء » ساقطة في القلائد .